فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



أما قوله: {رَبّ إِنّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فاغفر لِى} فعلى نهج قول آدم عليه السلام: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} [الأعراف: 23] والمراد أحد وجهين، إما على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإن لم يكن هناك ذنب قط، أو من حيث حرم نفسه الثواب بترك المندوب.
أما قوله: {فاغفر لِى} أي فاغفر لي ترك هذا المندوب، وفيه وجه آخر، وهو أن يكون المراد رب إني ظلمت نفسي حيث قتلت هذا الملعون، فإن فرعون لو عرف ذلك لقتلني به {فاغفر لِى} أي فاستره علي ولا توصل خبره إلى فرعون {فَغَفَرَ لَهُ} أي ستره عن الوصول إلى فرعون، ويدل على هذا التأويل أنه على عقبه قال: {رَبّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لّلْمُجْرِمِينَ} ولو كانت إعانة المؤمن هاهنا سببًا للمعصية لما قال ذلك.
وأما قوله: {فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَاْ مِنَ الضالين} فلم يقل إني صرت بذلك ضالًا، ولكن فرعون لما ادعى أنه كان كافرًا في حال القتل نفى عن نفسه كونه كافرًا في ذلك الوقت، واعترف بأنه كان ضالًا أي متحيرًا لا يدري ما يجب عليه أن يفعله وما يدبر به في ذلك.
أما قوله إن كان كافرًا حربيًا فلم استغفر عن قتله؟ قلنا كون الكافر مباح الدم أمر يختلف باختلاف الشرائع فلعل قتلهم كان حرامًا في ذلك الوقت، أو إن كان مباحًا لكن الأولى تركه على ما قررنا، قوله ذلك القتل كان قتل خطأ، قلنا لا نسلم فلعل الرجل كان ضعيفًا وموسى عليه السلام كان في نهاية الشدة، فوكزه كان قاتلًا قطعًا.
ثم إن سلمنا ذلك ولكن لعله عليه السلام كان يمكنه أن يخلص الإسرائيلي من يده بدون ذلك الوكز الذي كان الأولى تركه، فلهذا أقدم على الاستغفار على أنا وإن سلمنا دلالة هذه الآية على صدور المعصية لكنا بينا أنه لا دليل ألبتة على أنه كان رسولًا في ذلك الوقت فيكون ذلك صادرًا منه قبل النبوة، وذلك لا نزاع فيه.
المسألة الخامسة:
قالت المعتزلة الآية دلت على بطلان قول من نسب المعاصي إلى الله تعالى لأنه عليه السلام قال: {هذا مِنْ عَمَلِ الشيطان} فنسب المعصية إلى الشيطان، فلو كانت بخلق الله تعالى لكانت من الله لا من الشيطان وهو كقول يوسف عليه السلام {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} [يوسف: 100] وقول صاحب موسى عليه السلام: {وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان} [الكهف: 63] وقوله تعالى: {لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة} [الأعراف: 27]. اهـ.

.قال الجصاص:

قَوْله تَعَالَى: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ}.
وَقَالَ تَعَالَى: {قَتَلْت نَفْسًا} فَأَخْبَرَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِوَكْزِهِ؛ ثُمَّ قَالَ: {رَبِّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِاللَّطْمَةِ عَمْدٌ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ: ظَلَمْت نَفْسِي بِإِقْدَامِي عَلَى الْوَكْزِ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ عَمْدٌ؛ إذْ الظُّلْمُ لَا يَخْتَصُّ بِالْقَتْلِ دُونَ الظُّلْمِ، وَكَانَ صَغِيرَةً. اهـ.

.قال ابن العربي:

قَوْله تَعَالَى: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ}.
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَوْلُهُ: {فَاسْتَغَاثَهُ} طَلَبَ غَوْثَهُ وَنُصْرَتَهُ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا: {فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ} وَإِنَّمَا أَغَاثَهُ؛ لِأَنَّ نَصْرَ الْمَظْلُومِ دَيْنٌ فِي الْمِلَلِ كُلِّهَا، وَفَرْضٌ فِي جَمِيعِ الشَّرَائِعِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «مِنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ نَصْرُ الْمَظْلُومِ».
وَفِيهِ أَيْضًا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اُنْصُرْ أَخَاك ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا».
فَنَصْرُهُ ظَالِمًا كَفُّهُ عَنْ الظُّلْمِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ: {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَهُ؛ وَإِنَّمَا دَفْعَهُ فَكَانَتْ فِيهِ نَفْسُهُ، وَذَلِكَ قَتْلُ خَطَأٍ، وَلَكِنَّهُ فِي وَقْتٍ لَا يُؤْمَرُ فِيهِ بِقَتْلٍ وَلَا قِتَالٍ، فَلِذَلِكَ عَدَّهُ ذَنْبًا.
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلِينَ فِي بَابِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} فيه تسعة أقاويل:
أحدها: أربعون سنة، قاله الحسن.
الثاني: أربع وثلاثون سنة، قاله سفيان.
الثالث: ثلاث وثلاثون سنة، قاله ابن عباس.
الرابع: ثلاثون سنة، قاله السدي.
الخامس: خمس وعشرون سنة، قاله عكرمة.
السادس: عشرون سنة، حكاه يحيى بن سلام.
السابع: ثماني عشرة سنة، قاله ابن جبير.
الثامن: خمس عشرة سنة، قاله محمد بن قيس.
التاسع: الحلم. قاله ربيعة ومالك.
والأشد جمع واختلف هل له واحد أم لا، على قولين:
أحدهما: لا واحد له، قاله أبو عبيدة.
الثاني: له واحد وفيه وجهان:
أحدهما: شد، قاله سيبويه.
الثاني: شدة، قاله الكسائي.
{وَاسْتَوَى} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: اعتدال القوة، قاله ابن شجرة.
الثاني: خروج اللحية، قاله ابن قتيبة.
الثالث: انتهى شبابه، قاله ابن قتيبة.
الرابع: أربعون سنة، قاله ابن عباس.
{آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} في الحكم أربعة أقاويل:
أحدها: أنه العقل، قاله عكرمة.
الثاني: النبوة، قاله السدي.
الثالث: القوة، قاله مجاهد.
الرابع: الفقه، قاله ابن اسحاق.
قوله: {وَدَخَل الْمَدِينَةَ} فيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنها مصر، قاله ابن شجرة.
الثاني: منف، قاله السدي.
الثالث: عين الشمس، قاله الضحاك.
{عَلَى حِينٍ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا} فيه أربعة أقاويل:
أحدها: نصف النهار والناس قائلون، قاله ابن جبير.
الثاني: ما بين المغرب والعشاء، قاله ابن عباس.
الثالث: يوم عيد لهم وهم في لهوهم، قاله الحسن.
الرابع: لأنهم غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به، حكاه ابن عيسى.
{فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ} وفيه قولان:
أحدهما: من شيعته إسرائيلي ومن عدوه قبطي، قاله ابن عباس.
الثاني: من شيعته مسلم ومن عدوه كافر، قاله ابن إسحاق.
{فاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ} حكى ابن سلام أن القبطي سخّر الإسرائيلي ليحمل له حطبًا لمطبخ فرعون فأبى عليه فاستغاث بموسى. قال سعيد بن جبير: وكان خبازًا لفرعون {فَوَكَزَهُ مُوسَى} قال قتادة: بعصاه وقال مجاهد: بكفه أي دفعه، الوكز واللكز واحد والدفع. قال رؤبة:
بعدد ذي عُدَّةٍ ووكز

إلا أن الوكز في الصدر واللكز في الظهر.
فعل موسى ذلك وهو لا يريد قتله وانما يريد دفعه.
{فَقَضَى عَلَيهِ} أي فقتله.
و{قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} أي من إغوائه.
{إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُّبِينٌ} قال الحسن: لم يكن يحل قتل الكافر يومئذٍ في تلك الحال لأنها كانت حال كف عن القتال. اهـ.

.قال ابن عطية:

{وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ}.
والأشد، جمع شدة كنعمة وأنعم، هذا قول سيبويه وقال غيره: الأشد جمع شد وقالت فرقة الأشد اسم مفرد وليس بجمع، واختلف في قدر الأشد من السنين، فقالت فرقة: بلوغ الحلم وهي نحو خمسة عشر عامًا، وقالت فرقة: ثمانية عشر عامًا، وقال السدي: عشرون، وقالت فرقة: خمسة وعشرون، وقالت فرقة: ثلاثون، وقال مجاهد وابن عباس: ثلاثة وثلاثون، وقالت فرقة عظيمة: ستة وثلاثون، وقال مجاهد وقتادة الاستواء أربعون سنة، وقال مكي وقيل هو ستون سنة وهذا ضعيف، والأشد شدة البدن واستحكام أسره وقوته، و{استوى} معناه تكامل عقله وحزمه، وذلك عند الجمهور مع الأربعين، والحكم الحكمة، والعلم، والمعرفة بشرع إبراهيم عليه السلام وهي مقدمة نبوته عليه السلام، واختلف المتأولون في قوله تعالى: {ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها} فقال السدي: كان موسى في وقت هذه القصة على رسم التعلق بفرعون وكان يركب مراكبه حتى أنه كان يدعى موسى بن فرعون، فقالوا فركب فرعون يومًا وسار إلى مدينة من مدائن مصر يقال لها منف ثم علم موسى بركوب فرعون فركب بعده ولحق بتلك المدينة في وقت القائلة وهو حين الغفلة، قاله ابن عبس وقال أيضًا هو ما بين العشاء والعتمة، وقال ابن إسحاق بل {المدينة} مصر نفسها، وكان موسى في هذا الوقت قد بدت منه مجاهرة لفرعون وقومه بما يكرهون فكان مختفيًا بنفسه متخوفًا منهم فدخل متنكرًا حذرًا مغتفلًا للناس، وقال ابن زيد: بل كان فرعون قد نابذه وأخرجه من المدينة وغاب عنها سنين فنسي أمره وجاء هو والناس على غفلة بنسيانهم لأمره وبعد عهدهم به، وقيل كان يوم عيد، وقوله تعالى: {يقتتلان} في موضع الحال أي مقتتلين، و{شيعته} بنو إسرائيل، و{عدوه} القبط، وذكر الأخفش سعيد استعانه بالعين غير معجمة وبالنون وهي تصحيف لا قراءة، وذكر الثعلبي أن الذي {من شيعته} هو السامري وأن الآخر طباخ فرعون، وقوله: {هذا} {وهذا} حكاية حال قد كانت حاضرة ولذلك عبر ب {هذا} عن غائب ماض، والوكز الضرب باليد مجموعًا كعقد ثلاثة وسبعين، وقرأ ابن مسعود: {فلكزه} والمعنى واحد، إلا أن اللكز في اللحا، والوكز على القلب، وحكى الثعلبي أن في مصحف ابن مسعود: {فنكزه} بالنون المعنى واحد، وقضى عليه، معناه قتله مجهزًا، وكان موسى عليه السلام لم يرد قتل القبطي لكن وافقت وكزته الأجل وكان عنها موته فندم ورأى أن ذلك من نزغ الشيطان في يده، وأن الغضب الذي اقترنت به تلك الوكزة كان من الشيطان ومن همزه، ونص هو عليه السلام على ذلك وبهذا الوجه جعله من عمله وكان فضل قوة موسى ربما أفرط في وقت غضبه بأكثر مما يقصد.
{قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)}.
ثم إن ندم موسى حمله على الخضوع لربه والاستغفار عن ذنب باء به عنده تعالى فغفر الله خطأه ذلك. قال قتادة: عرف والله المخرج فاستغفر.
قال القاضي أبو محمد: ولم يزل عليه السلام يعتمد ذلك على نفسه مع علمه بأنه قد غفر حتى أنه في القيامة يقول «وقتلت نفسًا لم أؤمر بقتلها» حسبما صح في حديث الشفاعة. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

{ولمَّا بلغ أشُدَّه} قد فسرنا هذه الآية في سورة [يوسف: 22]، وكلامُ المفسرين في لفظ الآيتين متقارب، إِلا أنهم فرَّقوا بين بلوغ الأشُدِّ وبي الاستواء؛ فأما بلوغ الأشُدِّ، فقد سلف بيانه [الانعام: 152].